الوحل اللبناني" يعيد رسم المشهد: جيش يغرق.. ومستوى سياسي مشلول

بينما تتصاعد أصوات الطبول العسكرية في الشمال، يبدو أن الواقع الميداني في جنوب لبنان بدأ يفرض إيقاعه الخاص، بعيداً عن البروبغاندا السياسية. تقرير صحيفة "معاريف" الأخير لم يكن مجرد رصد صحفي، بل كان بمثابة "ناقوس خطر" يصف حالة من الارتباك الاستراتيجي داخل إسرائيل، حيث يتداخل الشلل السياسي مع التحديات العملياتية القاسية.

1. الميدان: حرب العصابات في "المنطقة الصفراء"

تؤكد التقارير أن الجيش الإسرائيلي بات يدرك تماماً معنى "الغرق في الوحل". فبدلاً من المواجهات الجبهية التقليدية، ينتهج حزب الله استراتيجية "المناورة للبقاء"، حيث يتحصن المئات من مقاتليه داخل ما يُعرف بـ الخط الأصفر. هؤلاء المقاتلون لا يسعون للسيطرة على الأرض بقدر ما يسعون لاستنزاف القوات المهاجمة عبر أسلوب "حرب العصابات"، مما يجعل من أي تقدم إسرائيلي مغامرة محفوفة بالكمائن غير المرئية.

2. معضلة "مدن اللجوء" والقيود الجوية

تشير "معاريف" إلى نقطة مفصلية في تعثر الأهداف الإسرائيلية، وهي وجود ما أسمته بـ "مدن اللجوء". طالما أن مراكز الثقل القيادي واللوجستي لحزب الله تمتد إلى صور وصيدا وصولاً إلى بيروت (خارج نطاق العمليات البرية المباشرة)، فإن القدرة على حسم المعركة تظل محدودة. يضاف إلى ذلك القيود المستجدة على سلاح الجو، مما يمنح الحزب هوامش حركة أوسع لإدارة المعركة من "الخلف"، ويجعل من حلم "الأمان المطلق" لسكان الشمال الإسرائيلي هدفاً بعيد المنال.

3. الشلل السياسي وتعدد الولاءات

خلف الجبهة العسكرية، يبدو المستوى السياسي الإسرائيلي في حالة "شلل" تام، عاجزاً عن اتخاذ قرارات حاسمة لإدارة العمليات في ساحات متعددة. والأخطر من ذلك هو ما كشفه التقرير عن خضوع التحركات العسكرية لتجاذبات القوى الخارجية؛ حيث تتحرك الخارطة الميدانية تحت تأثير مباشر من:

الإدارة الأمريكية: التي تضع كوابح لمنع الانفجار الشامل.

النظام الإيراني: الذي يدير خيوط الردع الإقليمي.

4. التخطيط للمداهمات: الهروب إلى الأمام

في محاولة لكسر هذا الاستعصاء، يخطط الجيش الإسرائيلي لتنفيذ "عشرات العمليات المكثفة" داخل الخط الأصفر، بهدف مداهمة القرى والبلدات الحدودية وتطهيرها من جيوب المقاومة. إلا أن هذا التخطيط يصطدم بحقيقة أن هذه القرى باتت "أرضاً ملغومة" سياسياً وعسكرياً، وأي توغل أعمق قد يعني استنزافاً أطول في زمن تفتقر فيه الحكومة الإسرائيلية لغطاء سياسي داخلي متماسك.

الخلاصة

يواجه الاحتلال اليوم معضلة "تآكل الردع"؛ فبين جيش يواجه أشباحاً في أحراش الجنوب، ومستوى سياسي فاقد للبوصلة، يبقى الجنوب اللبناني "الصخرة" التي تتحطم عليها التقديرات العسكرية الإسرائيلية. إن الاعتراف بـ "الغرق في الوحل" هو إقرار ضمني بأن الحسم العسكري في لبنان لم يعد نزهة، وأن مفاتيح الحل لم تعد بالكامل في يد تل أبيب.