قراءة في استطلاع "الدولية للمعلومات": انقسام طائفي حاد حول السلاح، "السلام"، والتسوية مع إسرائيل
بيروت — كشف استطلاع رأي أعدّته "الدولية للمعلومات" في الفترة الممتدة بين 28 نيسان و5 أيار 2026، وشمل عينة من 2000 شخص من مختلف المناطق والطوائف اللبنانية، عن شرخ عميق وتحولات جذرية في المزاج الشعبي اللبناني إزاء قضايا وجودية وسياسية راهنة. وتراوحت القراءات الشعبية بين تحميل المسؤولية عن التصعيد، والموقف من سلاح حزب الله، وصولاً إلى مستويات غير مسبوقة من الانقسام حول التفاوض أو "السلام" والتطبيع مع إسرائيل.
1. المسؤولية عن التصعيد وحتمية الحرب
أظهرت النتائج العامة تعادلاً شبه تام في تحميل المسؤولية الأكبر عن التصعيد الحالي، حيث بلغت نسبة من يحمّلون إسرائيل المسؤولية 32.9%، مقابل 32.8% حمّلوا حزب الله، في حين حمّل 12.1% المسؤولية للجميع.
الفرز الطائفي للمسؤولية: تصدّر المسيحيون والدروز الجبهة المحمِّلة لحزب الله بنسب تراوحت بين 50% و61%. في المقابل، حمّل الشيعة إسرائيل المسؤولية بنسبة 57.7% (مع تسجيل 0% لحزب الله). أما السنّة فشهدوا انقساماً متقارباً (39.1% ضد حزب الله مقابل 33% ضد إسرائيل).
فرضية "حرب 2 آذار": عند السؤال عما إذا كانت إسرائيل ستشن الحرب حتى لو لم يطلق حزب الله "الصواريخ الستة" في 2 آذار، رأى 54.7% أن الحرب كانت حتمية (تأييد شيعي بـ91.4% وسنّي بـ56.3%)، بينما عارضت الأغلبية المسيحية والدرزية هذه الفرضية، محملة الصواريخ مسؤولية استدراج الحرب.
2. معادلة السلاح والثمن السياسي
شكل ملف نزع سلاح حزب الله مادة لانقسام عامودي حاد:
تأييد نزع السلاح: حظي الخيار بتأييد أغلبي بلغ 58.2% (مدفوعاً بنسب مرتفعة: 88.9% أرثوذكس، 87.3% موارنة، 77.2% دروز، و70.2% سنّة).
الموقف الشيعي: عارض المجتمع الشيعي نزع السلاح بنسبة 87.5%.
الثمن السياسي: في حال تسليم السلاح، أيّد 84.9% من الشيعة و41.6% من السنّة حق الحزب في طلب "ثمن سياسي"، وهو ما عارضته بشدة الأغلبيات المسيحية والدرزية (بنسب تراوحت بين
49% و75%).
3.من التفاوض إلى "التطبيع": أرقام غير مسبوقة
سجل الاستطلاع تحولاً لافتاً في تقبل فكرة "التسوية" مع إسرائيل، وإن ظلت العوائق النفسية والسياسية مرتفعة في ملفات محددة:
التفاوض المباشر واتفاقية السلام: أيّد 78% من الموارنة و72% من الدروز التفاوض المباشر. وفي حال وقّع رئيس الجمهورية والحكومة اتفاقية سلام، بلغت نسبة التأييد ذروتها عند الدروز بـ 84.2%، والموارنة بـ 76.5%، والسنّة بـ 51.6%، وسط معارضة شيعية حاسمة تجاوزت 92%.
قفزة "التطبيع": برز مؤشر خطير تمثّل في قفز نسبة تأييد التطبيع مع إسرائيل من 13.2% في آب 2025 إلى 30.4% في أيار 2026 (بواقع 79% للدروز و57.8% للموارنة، مقابل رفض سنّي بـ73.8% وشيعي بـ94.3%).
السفارة الإسرائيلية ببيروت: ظل هذا الملف هو الأكثر خطاً أحمر؛ حيث رفضه 66.6% من اللبنانيين عموماً (عارضه 96% من الشيعة و86.4% من السنّة)، رغم تأييد 70.1% من الدروز و42.3% من الموارنة.
4. الأطماع في الثروات والخيار الأمثل للاستقرار
الأطماع الإسرائيلية: وافق 64.5% من المستطلعين على أن أطماع إسرائيل في النفط والمياه هي المحرك الأساسي للحرب، وهو اعتقاد حظي بإجماع شيعي وسنّي واسع (فوق 81%)، في حين سجل الدروز أعلى نسبة معارضة لهذا الطرح بـ 59.6%.
الخيار الأفضل لضمان استقرار لبنان مستقبلاً:
45.4% اختاروا: الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الانتهاكات (دعم شيعي جارف بـ89.2%، وانقسام سنّي بـ40.5%).
21.5% اختاروا: تعزيز قوة الجيش اللبناني فقط (دعم سنّي بـ40.9%).
16.7% اختاروا: توقيع معاهدة سلام (أعلى نسبة تأييد عند الدروز بـ64.9% والموارنة بـ31.9%).
15.3% اختاروا: حلّ حزب الله نهائياً.
خلاصة تحليلية:
لا تعكس أرقام "الدولية للمعلومات" مجرد تباين عابر في وجهات النظر السياسية، بل تؤشر إلى تفكك الرؤية الوجودية الموحدة لمفهوم "العدو" و"السيادة" في لبنان. فالبلاد تقع اليوم بين قراءتين متصادمتين؛ الأولى ترى الاستقرار في إنهاء الحالة العسكرية لحزب الله والانفتاح على تسوية دولية مع إسرائيل، والثانية ترى في الانسحاب الإسرائيلي الشامل وسلاح المقاومة الضمانة الوحيدة، مما يضع مستقبل العقد الاجتماعي اللبناني على المحك.




