يُعد بحر الصين الجنوبي من أهم المناطق البحرية عالميًا، حيث يمتد على أكثر من 3.5 مليون كيلومتر مربع، ويشكل ممرًا حيويًا يربط المحيط الهادئ بالمحيط الهندي. تمر عبره سنويًا سلع بقيمة 3.4 تريليون دولار تشمل البضائع التجارية، النفط الخام، والغاز الطبيعي. يحتوي البحر أيضًا على احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، ما يجعله هدفًا اقتصاديًا إستراتيجيًا للدول المطلة عليه.

إلى جانب التجارة والموارد، أصبح بحر الصين الجنوبي بؤرة جيوسياسية، حيث تحاول الصين توسيع نفوذها عبر الجزر الاصطناعية والمطالب الإقليمية. كما ترى الولايات المتحدة أن دول شرق آسيا، مثل فيتنام والفلبين وماليزيا وتايوان، تشكل حزامًا بحريًا لاحتواء النفوذ الصيني، ما يوضح الدور الاستراتيجي لهذه الدول في موازنة القوة الإقليمية.

الجغرافيا والتقسيم الإقليمي

يتكون البحر من عدة جزر وشعاب مرجانية، أبرزها جزر باراسيل في الشمال وجزر سبراتلي في الجنوب. جزر باراسيل، الواقعة قرب الصين وفيتنام، تحت السيطرة الصينية مع مطالبة فيتنامية بها. أما جزر سبراتلي، فتضم أكثر من 100 جزيرة وشعاب مرجانية، يدعي معظمها الصين، فيتنام، الفلبين، ماليزيا وبروناي.

تتميز مياه البحر بكونها مزدحمة بالملاحة البحرية، خاصة في مضيق ملقا، إضافة إلى كونها مصدرًا غنيًا بالأسماك، مما يزيد من أهمية السيطرة على الجزر والمناطق البحرية.

جزر سبراتلي: بؤرة النزاع

تعتبر سبراتلي أكثر المناطق إثارة للنزاعات. الصين تسيطر على جزر اصطناعية كبرى مثل فياري كروس، سوبّي، وميشيف ريف، بينما تحافظ فيتنام على حوالي 21 جزيرة أو شعاب صغيرة طبيعية مع تعزيزات اصطناعية موزعة في شمال ووسط سبراتلي. الفلبين وماليزيا يسيطران على بعض الجزر ايضا.

تنتشر الجزر على مئات الكيلومترات، وتتيح السيطرة عليها فرض السيادة على المناطق الاقتصادية، إنشاء مراصد ومرافئ، ودعم العمليات الجوية والبحرية.

لماذا لا تهاجم الصين فيتنام رغم مضايقتها للفلبين؟

رغم التفوق العسكري الصيني، لا تهاجم الصين جزر فيتنام مباشرة كما تفعل أحيانًا في المياه الفلبينية حيث تقوم بمضايقة السفن. السبب الرئيسي هو الظروف العسكرية والدبلوماسية التي تجعل أي هجوم مباشر غير مجدي.

التحديث العسكري الفيتنامي

تركز فيتنام على الدفاع والردع فقط، مع تعزيز وجودها في الجزر بطريقة محصنة:

  • سلاح الجو: مقاتلات Su-30MK2 وSu-35 لحماية المجال الجوي حول الجزر.

  • الدفاع الجوي: أنظمة صواريخ S‑300 أرض-جو بعيدة المدى لضمان ردع أي هجوم محتمل.

  • البحرية والغواصات: غواصات كيلو، سفن دورية سريعة، وطائرات مسيرة لتعزيز المراقبة والاستجابة السريعة.

  • أسلحة مضادة للسفن: أنظمة محلية مثل VCS‑01 وصواريخ Bastion‑P لحماية السواحل والجزر البحرية.

  • المخابئ والتحصينات: الجزر مزودة بمخابئ محصنة وملاجئ للأسلحة لضمان حماية القوات والمعدات.

توزيع الدفاع يغطي الجزر على مساحة واسعة مع تعزيز الرصد والمراقبة، دون أي استفزاز مباشر للصين، لتحقيق أقصى ردع دفاعي بأقل استفزاز ممكن وحماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.

الدبلوماسية الفيتنامية

تستخدم فيتنام استراتيجية دبلوماسية ذكية لتقليل التوترات مع الصين وتعزيز موقفها الدولي:

  • الحفاظ على العلاقات الثنائية مع الصين عبر القنوات الشيوعية المشتركة، والاستفادة من الزيارات الرسمية المتبادلة مثل زيارة الرئيس الفيتنامي للعرض العسكري الصيني في سبتمبر 2025.

  • التمسك بالقوانين الدولية لحقوق البحار (UNCLOS) لإثبات السيادة بطريقة قانونية.

  • تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، أستراليا، والهند بشكل دبلوماسي حذر وغير استفزازي لضمان دعم سياسي وتوازن إقليمي دون تصعيد مباشر.

  • المشاركة في المنتديات الإقليمية والقانونية مثل ASEAN Regional Forum ومجالس الأمن البحري لتعزيز موقف فيتنام الدولي وخلق إطار قانوني وسياسي يحمي مصالحها ويضع الصين تحت رقابة دبلوماسية أكبر.

بهذا الشكل، تجمع فيتنام بين قوة دفاعية محكمة واستراتيجية دبلوماسية متوازنة، مما يسمح لها بحماية مصالحها في بحر الصين الجنوبي بطريقة ذكية وهادئة، مستفيدة من الدور الذي تلعبه القوى الدولية في الحد من النفوذ الصيني.

خاتمة

نجحت فيتنام في خلق توازن دقيق بين الدفاع والردع والدبلوماسية لمواجهة النفوذ الصيني في بحر الصين الجنوبي، من خلال شبكة دفاعية موزعة، قدرات مراقبة حديثة، وأسلحة دفاعية فقط، مع اللعب بهدوء دون استفزاز مباشر للصين، والحفاظ على علاقات متوازنة مع الصين وبعض الدول الأخرى في المنطقة.

تعكس استراتيجيتها مفهوم "التحدي الذكي للقوة الأكبر"، وتُظهر أن الدولة الأصغر يمكنها حماية مصالحها ومواجهة قوة إقليمية أكبر بحكمة وصبر استراتيجي، مستفيدة من وجود لاعبين دوليين متعددين، مثل الولايات المتحدة وأستراليا والهند، الذين يسعون إلى احتواء الصين، ما يمنح فيتنام مساحة أكبر لتعزيز وجودها والدفاع عن جزرها، ويجعلها لاعبًا رئيسيًا في بحر الصين الجنوبي.